18
اكتوبر
2014
الحوار الداخلي (المونولوج)*في رواية (منسي) للكاتب (علي جاسب), ورواية (وترسو المراكب) للاديب (كاظم الحصيني). بقلم : محمد المياحي .
نشر منذ Oct 18 14 am31 08:10 AM - عدد المشاهدات : 13745

الحوار الداخلي (المونولوج )هو أحد أنواع الحوارات في النص الروائي , كما أنّه ((الخطاب المباشر الذهني (أي غير الملفوظ) للشخصية مذكوراً كما هو))( *) , في حين يجد الكاتب الفرنسي (ادور دو جاردن) أنّ أسلوب المونولوج الداخلي هو ((خطاب غير مسموع وغير المنطوق الذي تعبر به شخصية ما عن أفكارها الحميمة القريبة من اللاوعي : انه خطاب لم يخضع لعمل المنطق , فهو في حالة بدائية , وجملة مباشرة قابلة للتقيد بقواعد النمو , كأنها أفكار لم تتم صياغتها بعد)) (*). أمّا (ميخائيل باختين) يرى أنّ دراسة الحوار لا تتم عن طريق الشكل التأليفي للكلام فحسب , بل تنضوي هذه الدراسة على تسليط الضوء على فعالية الاختراق لبنية الكلمة بكل طبقات معاينتها وتعبيراتها ويضرب مثلاً بـ(المونولوج) (*). في حين ذهبت (دوريت كوهن) الى الفرق بين المونولوج المستحضر , وبين ما نسميه المونولوج المستقل الذي هو الخطاب الفوري عند جنيت أي المونولوج الداخلي , وهو مستقل لأنه غير رهين بأي سياق سردي , حيث يختفي ((المستحضر)) ويوضح للقارئ داخل ذهن الشخصية ليشهد حدوث عملية تفكيرها(*) . ومن الدارسين من يفضل أنْ يسميه (العرض) , إذ أنّه ينقل أفكار الشخصية نقلاً أمينا وهم يرون أنّ هذه التقنية تغرس لقطيعة مابين الشخصية والراوي ومن ثم يُفرَز لنا نوعان من الألفاظ (صوت) , وهو صوت الراوي و (مقام) كلام الشخصية(*), ومن هنا نجد أنّ هذا النوع من الحوار يقوم برسم صور الشخصيات وتقديمها من خلال الوقوف على الكوامن الباطنية (الأحاسيس والمشاعر) ؛ بالاعتماد على ما يدور في النفس , وبهذا يكون المونولوج وســـيلة لإستدعاء المحتوى النفسي, يختلف الحوار الداخلي المونولوج عن ((حديث النفس)) المناجاة بوصف الثانية تفرض مستمعاً( *) , ومن هنا يتضح , هذا الأسلوب الحواري يبنى أساساً على ثيمة البوح النفسي والذي قد يسهم في الكشف عن تطور الأحداث في نسيج النص, وقد يُسهم في خلق ديناميكية ذهنية ذات دلالات تثري النص بجمالية فنية تعمد على قابلية المتلقي من خلال الوقوف على الجوانب التأويلية سواء ما يتعلق بالحدث أو الشخصية . ففي رواية (منسي) التي تمثل رواية الشخصية الواحدة التي يتمحور عليها النسيج العام للرواية , نجد أن شخصية (منسي) - الشخصية الرئيسة - في مواضع من النص تعيش صراعاً مع الذات ؛ بسبب جزئيات الواقع المتمثل بسوء معاملة المجتمع لها منها ( مراجعاته لمؤسسات الدولة ), و(الواقع السياسي ) الذي شكل هاجساً لها - اي الشخصية الرئيسة - , فضلاً عن (المواقف السلبية الصادرة ممن يُحب - سهيله - )التي تحولت إلى شخصية متلونة إذ يتمثل هذا التلون بموالاتها للحكومة المتسلطة وقيادتها المسيرات الشعبية الداعمة لنظام الحكم , من ثم (طرده من العمل ) ؛ لاتهامه بالمناواة للواقع السياسي , و هذا ما يكشفه النص : (( قال هل يجب عليَّ أن أكون بوجهين كي اقطع هذه الصعوبة ؟ ...هل اهجر الحمدانية وهذا الوطن حتى لا أرى عيوبهما ؟ هل من قوة استحق فيها التواقيع والمواعيد التي ألغت ملامحي ووجودي وتركتني في هذا التيه ؟ كيف سأخاطب الآخرين ليفهموني ... ؟ إن لم أكن سياسياً ولا متعصباً في الدين ولا اجتماعياً بارداً .كل ما في الأمر أنني لا أريدهم ان يلبسوا قيمنا وديننا مثل قبعة يقلعونها وراء الباب ...نحن نريد أفقا مفتوحاً فيه حضارة وحرية , لكنهم سيفهموننا وأول ما يفهموه قضيتي )) (*). في إطار الحوار السابق تتشكل الرؤية عند المتلقي إنّ شخصية (منسي) تتسم بالقلق وعدم الاستقرار , هذا ما يوحيه أسلوب الاستفهام المتكرر في النص , زد على ذلك إن ملامح عدم الانتماء تبدو واضحة في كلام (منسي) , فقد((تنشأ ظروف تحول دون هذا الانتماء وقد تصل بالعلاقة بين الشخصية والمكان إلى حالة تنافر)) (*), ومن ثم يتحول الفضاء مكاناً غير مرضي يجعل الشخصية تنفر منه لتعيش بعد ذلك حالة الاغتراب النفسي فالشخص قد يجد نفسه عاجزاً تماماً أمام ما يسود المجتمع الذي يعيش فيه من أنظمة اجتماعية فاسدة, هذه الأنظمة تقف حائلاً دون تحقيق أهدافه وتطلعاته ورغباته( *) , هذا ما كشفه المونولوج فـ(منسي) فهي ذات تبحث عن الإنسانية وحريتها التي فقدت بسبب السلطة وطبيعة المجتمع . ومن زاوية أخرى قد يؤسس صاحب النص المزج بين الأصوات (سرد الراوي) و (مونولوج الشخصية) مع ضبط تقاطع الصوتين , وهذا ما نجده في كلا الثيمتين ضمن نسيج نصي مترابط محكم , كاشفاً بذلك عن رؤى سوداوية تجاه الحاكم , فقد قدم (علي جاسب) في أحدى النصوص (المحكي النفسي)* كرؤية تمهيدية قبل توظيف الحوار الداخلي يقول: ((كان منسي وهو على المقعد يشعر وكأنه يجلس على مرتفع سهل يستطيع أن يرى من خلاله الأشياء على الجانبين , ويقول في نفسه لست ادري لماذا اكره الأماكن المرتفعة . , ربما لأن كل الذين جلسوا على أماكن مرتفعة لم ينظروا لما حولهم رغم أنهم لم يكونوا في هذه الأماكن ومن قبل هذا)) (*) . فلو تأملنا هذا النص ألمونولوجي لوجدنا انه يجسد وقوفاً مكبوتاً للذات تجاه السلطة, ومن ثم ينماز المونولوج ببنيته الانفعالية التي تجمع بين التعبير(الحوار الداخلي) وحدث رؤية (منسي) للواقع السياسي السلبي من خلال مساره السردي : وبذلك يمزج بين ما حدث في العالم الخارجي (السلوك السلبي للحاكم) وما يضطرب في العالم الداخلي للشخصية ومن ثم تتولد العقد عند (منسي) من مواضع الارتفاع لتحليل أشكالها حتى الفضاء المكاني ؛ بوصفه اشارة (لثنائية الحاكم والمحكوم) , ولارتباط هذه الرؤية بالجانب الشعوري استقدم الراوي عنصر الحوار الداخلي (المونولوج) ؛ بغية التعبير عن الإحساس الداخلي لشخصية (منسي) عبر رؤية ذاتية . أمّا في رواية (وترسو المراكب) فأن المونولوج قدم لنا الشخصية الرئيسة (هيلان) على أنها شخصية تحمل صفات مرتبطة بالجانب النفسي أكثر من جانبها الظاهري , وهذا يتفق مع رؤية النص, فالصفات الخارجية لهذه الشخصية – قطعاً – لا تتوازن مع دينامكيتها فصنف البيئة واللون الأسود بوصفه ( عبداً أسود ) لا ينسجم مع تحولات هيلان والذي يؤول به المطاف من عبد أسود إلى شخصية تخافها بريطانيا , من هنا أكد الحوار الداخلي على الجانب النفسي سواء ما صدر من حوارات الشخصية ذاتها أو الآخر شخصية(لميعة) - ابنة الشيخ المُعاقة التي يعشقها . لو تأملنا مونولوجات الشخصية في هذا النص نجد أنها تؤكد على نمو وتحول الشخصية من خلال جعل الذات ذاتاً مُبأرة يقول الراوي: (( أخذوه إلى السجن حدث نفسه ماذا يا سومر , صنعت في شيئاً لا اعرف اناء اكبر من بكثير , بريطانيا العظمى بجيوشها الجرارة وأساطيلها وتلك الصنائع الحديدية التي تطير في الجو كل ذلك وتخشاني , لا بد إن روح آلهة سومر تلبستني فصرت شيئاً لا أراه أنا ويراه الآخرون)) (*). لو استقرأنا الحوار الداخلي نجده – أي المونولوج – يسمح بالنفاذ إلى بواطن الشخصية وأعماقها النفسية , وهو يأتي غامضاً ملتبساً بوصفها تعيش صراعاً لا تفهمه لعدم تعرفها على هذا التحول في نمطية حياتها , ومن ثم نجد هذا الحوار يحل إشكالية عدم التعرف على طبيعة ذات الشخصية ليدخلها في عالم الممارسات الشعبية النابعة من معتقدات فكرية متقدمة من خلال التأخير الأسطوري , وبهذا شكَّل هذا البناء جزءاً ملموساً في الوقوف على بنائية هذه الشخصية , (صعوبة تَفَهُم الوضع) , (وجود أسئلة مقنعة لواقع الحال) , فسّر هذا التحول الذي جعل من بريطانيا تخشى عبد (هيلان) بنظر الشخصية ما هو إلا نشاط ميتافيزيقي في خارج نطاق الطبيعة (تدخل آلهة سومر) , فضلاً على ذلك استطاع الكاتب أنْ يوظف (المونولوج )في كشف رؤية أخرى للشخصية الرئيسة وهي طبيعة الموافقة مع ما تحمل من مظاهر الطبيعة الإنسانية وواقع الحال , من هنا أسس صاحب النص لهذه الفكرة في (الفضاء السجني) ,فسلوكيات السجان تجاه الصوت الحر الثائر (شعلان أبو الجون) واتهامه بالجبن جعل من كوامن(هيلان) الباطنية ثيمة موازية ثائرة , من ثم يكشف الحوار الداخلي عن رغبته بالانتقام من هذا السجان من خلال هروبه من السجن يقول الراوي : (( ثم رأى وسط الظلام شيئاً يقترب من الحراس , حين وصلهم بدأ يوبخهم وهو يقول : -لا تكونوا كسالى كأولئك الذين في الرمثية فقد هرب منهم شخص عدو بريطانيا العظمى هرب المجرم (أبو الجون) . دقات قلبه تصاعدن رغم انه لا يعرف ابو الجون الا انه تمنى ان يقبله , ان يشد على يده وقال في نفسه : -سأهرب وادع ذلك الذليل الذي يتوسل قبل أن يموت في هذه الزنزانة موت الجبناء , لا يليق بالجبناء غير هذا الموت)) ( *) استطاع الكاتب في هذا المقطع أن يوظف الأسلوب الأقرب للتعبير عن دواخل الذات (هيلان) عن طريق (المونولوج الداخلي) , إذ يرسم مشاعر البطل تجاه الذات الخائنة وما تحكم شخصية (هيلان) من انطباعات اتجاهها فالمكان الطبيعي – في نظر هيلان- للشخصية الجبانة هو القيود والسجن , من هنا تولدت الرغبة عنده بمحاولة الهروب من السجن لا بداعي التمرد على السلطة , بل بداعي مشاعر داخلية تحتم عليه الإضرار بالإنسان السلبي (الجبان) وإنَّ مكان (الجبان) الطبيعي هو (السجن) .


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
اعلانات تجارية
اعلانات تجارية
استطلاع رأى

هل انت مع الجيش العراقي ؟

0 %

0 %

0 %

عدد الأصوات : 0

أخبار